حيدر حب الله
523
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
المشهور في التعامل مع التهذيبين ، إلا أنّ مراجعة متون التهذيبين وأسانيدهما تفضي إلى القناعة بوجود إرباك في هذا الصدد ، وهو ما يدفع لمثل افتراض السيّد بحر العلوم أنّ الطوسي يمكن أن يكون قد أخذ من المصادر اللاحقة ، وليس من الأصول دون أن يعدّ ذلك تدليساً . وعمليّة التوفيق بين نصّ الطوسي المتقدّم وواقع كتبه دفعت لطرح مواقف في المقام متداخلة ومتقاربة ، فقد قال السيد بحر العلوم وهو بصدد تبرير اعتماد الصدوق على كتب غيره التي جمعت الأصول : « والاعتماد على الغير شائع معروف كثير الوقوع في نقل الأخبار والأقوال ، وهذا كما تقول : روى الشيخ في التهذيب : كذا ، تعويلًا على ما نقله عنه في الوافي والوسائل ، وقال في المبسوط : كذا ، اعتماداً على نقله في المعتبر والمختلف ، وليس ذلك تدليساً ممنوعاً ، فإنّ العلماء لا يتناكرونه ولا يتحاشون منه ، وعادتهم المستمرّة في نقل الأقوال والأدلّة قاضية به ، ولم يلتزم أحد منهم في النقل تتبّع الأصول والأخذ منها بغير واسطة ، بل الكثير الغالب فيه الاستناد إلى الواسطة والوسائط ، والسبب فيه سهولة الأخذ والتناول من كتب المتأخّرين ومصنّفاتهم ؛ لحسن وضعها وتأليفها وترتيبها على الكتب والأبواب والفصول ، بخلاف مصنّفات القدماء ، خصوصاً الأصول الموضوعة على جمع المطالب المختلفة والأحكام المتفرّقة التي لا تعلّق لبعضها ببعض ، فإنّ النقل منها في غاية العسر والصعوبة . والمتأخّرون في كلّ زمان قرّبوا البعيد من ذلك ، وسهّلوا العسير منه بالترتيب والتبويب وضم المنتشر وجمع المتفرّق ، ولذا ترى الشيخ والصدوق وغيرهما ينقلون أحاديث الأصول من الكتب وأحاديث كتب القدماء من كتب المتأخّرين مع وجود الأصول وكتب القدماء عندهم ، واحتمال أخذ حديث المتقدّم من كتاب المتأخّر قائمٌ في نقل الشيخ لهذه الأخبار ، وإن كان الظاهر من قوله : ( أخذنا الخبر من كتابه والحديث من أصله ) أخذه من نفس الكتاب والأصل ، فإنّه مع بُعد التزام الشيخ له ، ينافي تصريحه بكون الواسطة طريقاً يتوصّل بها إلى رواية الحديث ، وإنه بدونها يكون مرسلًا ، لا مسنداً ، والتجوّز في التوصّل والإسناد والإرسال ليس أولى من حمل الأخذ على المعنى